شيخ محمد قوام الوشنوي

117

حياة النبي ( ص ) وسيرته

فإن حصلت أشراف عبد منافها * ففي هاشم أشرافها وقديمها وإن فخرت يوما فانّ محمدا * هو المصطفى من سرها وكريمها قال ابن هشام : ثمّ انّ الوليد بن المغيرة اجتمع اليه نفر من قريش وكان ذا سن فيهم وقد حضر الموسم ، فقال : يا معشر قريش انّه قد حضر هذا الموسم وانّ وفود العرب ستقدم عليكم فيه وقد سمعوا بأمر صاحبكم هذا ، فأجمعوا فيه رأيا واحدا ولا تختلفوا فيكذب بعضهم بعضا ويرد قولكم بعضه بعضا . قالوا : فأنت يا أبا عبد شمس فقل وأقم لنا رأيا نقل به . قال : بل أنتم فقولوا أسمع . قالوا : نقول كاهن . قال : لا واللّه ما هو بكاهن ، لقد رأينا الكهان فما هو بزمزمة الكاهن ولا سجعه . قالوا : فنقول مجنون . قال : ما هو بمجنون ، لقد رأينا الجنون وعرفناه فما هو بخنقه ولا تخالجه ولا وسوسته . قالوا : فنقول شاعر . قال : ما هو بشاعر ، لقد عرفنا الشعر كله رجزه وهزجه وقريضه ومقبوضه ومبسوطه فما هو بالشعر . قالوا : فنقول ساحر . قال : ما هو بساحر ، لقد رأينا السحّار وسحرهم فما هو بنفثهم ولا عقدهم . قالوا : فما نقول يا أبا عبد شمس ؟ قال : واللّه انّ لقوله لحلاوة ، وان أصله لعزق ، وان فرعه لجناة ، وما أنتم بقائلين من هذا شيئا الّا عرف أنه باطل ، وان أقرب القول فيه لأن تقولوا هو ساحر جاء بقوله هو سحر يفرق بين المرء وزوجته وبين المرء وعشيرته . فتفرقوا عنه بذلك ، فجعلوا يجلسون بسبل الناس حين قدموا الموسم لا يمر بهم أحد الّا حذّروه إياه وذكروا لهم أمره ، فأنزل اللّه تعالى في الوليد بن المغيرة في ذلك من قوله ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً . وَجَعَلْتُ لَهُ مالًا مَمْدُوداً . وَبَنِينَ شُهُوداً . وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيداً . ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ . كَلَّا إِنَّهُ كانَ لِآياتِنا عَنِيداً « 1 » . ثمّ قال قال ابن إسحاق : فجعل أولئك النفر يقولون ذلك في رسول اللّه ( ص ) لمن لقوا من الناس ، وصدرت العرب من ذلك الموسم بأمر رسول اللّه ، فانتشر ذكره في بلاد العرب كلها ، فلمّا خشي أبو طالب دهماء العرب أن يركبوه مع قومه قال قصيدته التي تعوذ فيها بحرم مكة وبمكانه منها وتودد فيها أشراف قومه ، وهو على ذلك يخبرهم وغيرهم في ذلك من شعره أنه

--> ( 1 ) سورة المدثر / الآية 11 - 16 .